4.7 الوجه العاشر: حقيقةُ الأحرف هذه الأحرف السَّبعةُ المنصو...
4.7 الوجه العاشر: حقيقةُ الأحرف هذه الأحرف السَّبعةُ المنصوص عليها من النّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وفائدته
قال العلامة ابنُ الجزريِّ -رحمه الله تعالى- في بيان الخلاف في الوجه العاشر: وأما اختلاف حقيقة هذه السَّبعة الأحرف المنصوص عليها من النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وفائدته، فإنَّ الاختلافَ المُشارَ إليه في ذلك، اختلافُ تنوُّع وتغايُر، لا اختلافُ تضادٍّ وتناقُض، فإنَّ هذا مُحالٌ أن يكونَ في كلام الله تعالى. قال تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا)) [النساء: 82].
وقد تدبَّرنا اختلاف القراءاتِ كلِّها، فوجدناها لا تخلو من ثلاثة أحوال:
فضلا انقر على الأزرار للتفصيل
اختلافُ اللَّفظ، والمعنى واحد.
ثم قال -رحمه الله-:
 |
(فكالاختلاف في: ((الصِّرَاطَ)) [الفاتحة: 6]. و ((عَلَيْهِم)) [البقرة: 6]. و ((يُؤَدِّه)) . [آل عمران: 75]. و ((الْقُدُس)) . [البقرة: 87]. و ((يَحْسَب)) [الهمزة: 3]. ونحو ذلك ممَّا يُطلق عليه أنَّه لُغات فقط. ) |
 |
يقصد -رحمه الله-: أنَّ ((الصِّرَاطَ)) تُقرأ بقراءتين: ((الصِّرَاطَ)) و"السِّراط". و ((عَلَيْهِم)) يقرؤها حمزة ويعقوب: "عَلَيْهُم" و ((يُؤَدِّه))
|
فيها عدَّة لغات: "يؤدِّهِ" و"يؤدِّهْ" و"يُوَدِّهْ". و ((الْقُدُس)) فيها لغتان؛ ابن كثير يقرأ بإسكان الدال: "القْدس" وباقي القراء يقرءون بضمها: ((الْقُدُس)) . و ((يحسب)) كما سبق أن ذكرنا فيها قراءتان: "يحسِب" و ((يَحْسَب)) .
ثم قال -رحمه الله-:
 |
اختلافهما جميعًا، مع جواز اجتماعهما في شيءٍ واحد. |
 |
فنحو: ((مَالِكِ)) [الفاتحة: 4]. و"ملك" لأنَّ المراد في القراءتين هو الله تعالى؛ لأنَّه مالكُ يوم الدِّين، ومَلِكُه. وكذا: ((يَكْذِبُون)) [البقرة: 10]. و ((يُكَذِّبُونِ)) وهما قراءتان صحيحتان؛ حيث إنَّ الكوفيِّين يقرءون بالتَّخفيف، وباقي القراء يقرءون بالتَّشديد؛ لأنَّ المراد بهما هم المنافقون، لأنَّهم: ((يُكَذِّبُونِ)) بالنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- و ((يَكْذِبُون)) في أخبارهم. |
 |
وكذا "كيف ننشرها" بالراء والزاي، وهما قراءتان صحيحتان، حيث إنَّ نافعًا، وابن كثير، وأبا عمرو، وأبا جعفر، ويعقوب، يقرءون: "كيف نُنشِرُها" بالراء، وباقي القراء يقرءون: ((كَيْفَ نُنشِزُهَا)) [البقرة: 259]. قال العلامة ابن الجزري: بأنَّ المراد بهما هي العِظام، وذلك أنَّ الله أنشرها، أي: أحياها. وأنشزها، أي: رفع بعضَها إلى بعض، حتى الْتَأَمَتْ، فَضَمَّنَ اللهُ تعالى المعنيين في القراءتين. |
ثم قال العلامة ابنُ الجزريِّ -رحمه الله تعالى-:
اختلافُهما جميعًا، مع امتناع جواز امتناعهما في شيءٍ واحد، بل يتَّفقانِ من وجهٍ آخرَ لا يقتضي التَّضادَّ.
يقصد رحمه الله تعالى: اختلافهما جميعًا، مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد، بل يتَّفقان من وجهٍ آخرَ لا يقتضي التضادَّ، فَمَثَّلَ لذلك فقال- فنحو: ((وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)) [يوسف: من الآية: 110]. قُرئت بالتَّشديد والتَّخفيف، فقرأها بالتَّخفيف.
فليس في شيءٍ من القراءة تنافٍِ ولا تضادٍّ ولا تناقضٌ، وكلُّ ما صحَّ عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- من ذلك، فقد وجب قَبولُه، ولم يسعْ أحدًا من الأمة ردُّه، ولزم الإيمانُ به، وأنَّ كلَّه مُنزل من عند الله؛ إذ كلُّ قراءةٍ منها مع الأخرى بمنزلةِ الآية مع الآية، يجبُ الإيمانُ بها كلِّها، واتِّباع ما تضمَّنته من المعنى علمًا وعملًا، لا يجوزُ تركُ موجب إحداهما لأجل الأخرى؛ ظنًّا أن ذلك تعارض.
وإلى ذلك أشار عبدُ الله بن مسعود -رضي الله عنه- بقوله: "لا تختلفوا في القرآن، ولا تنازعوا فيه, فإنه لا يختلف ولا يتساقط، ألا ترون أنَّ شريعة الإسلام فيه واحدةٌ، حدودها وقراءتها، وأمرُ الله فيها واحد، ولو كان من الحرفينِ حرفٌ يأمُر بشيءٍ يَنهَى عنه الآخر، كان ذلك الاختلافُ، ولكنَّه جامعُ ذلك كله، ومن قرأ على قراءة فلا يدعها رغبةً عنها، فإنه مَن كفر بحرف منه كفر به كلِّه".
قال العلامة ابن الجزري: قلت: وإلى ذلك أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال لأحد المختلفين: ((أحسنتَ)) وفي الحديث الآخر: ((أصبتَ)) وفي الآخر: ((هكذا أُنزلتْ)) فصوَّب النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قراءةَ كل من المختلفَين، وقطع بأنَّها كذلك أنزلت من عند الله تعالى. وبهذا افترقَ اختلافُ القراء من اختلاف الفقهاء، فإنَّ اختلافَ القراء كلٌّ حقٌّ وصواب، نزَل من عند الله، وهو كلامُه لا شكَّ فيه.
واختلاف الفقهاء اختلافُ الاجتهاد، والحق في نفس الأمر فيه واحد، فكلُّ مذهب بالنسبة إلى الآخر صوابٌ يحتمل الخطأ، وكلُّ قراءة بالنسبة للأخرى حقٌّ وصوابٌ، في نفس الأمر، نقطع بذلك ونؤمن به، ونعتقدُ أنَّ معنى إضافة كلِّ حرفٍ من حروف الاختلاف إلى مَن أضيف إليه من الصَّحابة وغيرِهم، إنَّما هو من حيث إنَّه كان أضبطَ له، وأكثرَ قراءةً وإقراءً به، وملازمةً له وميلًا إليه، لا غيرَ ذلك.